مؤسسة آل البيت ( ع )

33

مجلة تراثنا

وبعد ذلك نجيب عن هذا التوجيه بما يلي : أولا : إن منع الحديث بغرض المحافظة ، أشبه ما يكون بالتناقض ، كما إذا أراد الإنسان أن يصلح أداة معينة - أصابها عطب - فيعمد إلى إبادة تلك الآلة أو تهشيمها ، وكما إذا أراد الإنسان أن يؤدب عبدا ، فيعمد إلى قتله وإعدامه . إن من يريد التثبت من الحديث يلزمه أن يحوطه بما لديه من إمكانات احتياطية ، ويحدد له طرقا معينة ويشخص له موارد مأمونة ، ومراجع صالحة ، تقوم على رعايته والمحافظة عليه ، لا أن يعمد إلى كبار الصحابة وحفاظهم للحديث فيكم أفواههم ، ويخوفهم ، ويشدد عليهم ويستنكر رواياتهم ، ويهددهم بالإبعاد عن المدينة أو يجبرهم على الإقامة فيها ، أليس هذا نقضا لغرض المحافظة على الحديث ؟ ! ألم يجعل عمر - بحبس الصحابة ومنعهم من الحديث - ما عند أولئك الصحابة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكتومة في صدورهم ؟ ! فلم يبثوه إلى الأمة ؟ ! ولعلها تعرضت لعوامل النسيان وغيره ! ؟ . أمثل هذا العمل يسمى محافظة ؟ ! أو تثبتا ؟ ! أو توقيا . ؟ ! . أم يسمى هدرا ، وتفريطا ، وتضييعا ، وإماتة ؟ ؟ ؟ ! وثانيا : من المتفق عليه - لدى كافة العقلاء - أن كتابة العلم ، وتسجيل المعلومات ما من أفضل وسائل الحفظ والصيانة والتثبت . ولو كان عمر يهدف من إجراءاته تلك المحافظة على الحديث والتثبت والتوقي فيه ، وكان يخاف من تداوله بين الناس وعدم صحته ، لكان يلجأ إلى تدوينه ، ويأمر بتقييده ، وضبطه ، أو يشرف هو - وجمع من الصحابة الحافظين له المأمونين - على عملية جمعه . لكن ، نرى أنه إلى جنب منع رواية الحديث ونقله بهذه الشدة ، كان من أشد المانعين للتدوين ، بأعذار مختلفة ! فبأي شكل كان يريد المحافظة على الحديث ؟ ! إذا هو يمنع من جهة نقله وتداوله والمذاكرة به ، ويمنع من جهة أخرى كتابته وضبطه وتدوينه وتقييده ؟ ؟ !